ابن عربي

114

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

يطلع اللّيل ، إذا ما أسدلت * فاحما جثلا أثيثا غيهبا « 1 » يقول : تظهر العلوم الغيبية من نفوس العارفين إذا ما أسدلت هذه الصفة الذاتية حجب الشعور بالأمور الخفية الدقيقة لأنّ الإشعار بالشيء لا يقتضي تحقق العلم . [ لا يصل العارف إلا بالشرع ] يتجارى النّحل مهما تفلت * ربّ ما أعذب ذاك الشّنبا يقول : ما تحقق هذا العارف في نفسه تحققا إلهيا إلى أن وصل إلى المقام الذي نبه عليه الشارع بكنت سمعه وبصره صار كلامه حقا محضا روحيا مطلقا واللّه يقول : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ النحل : 68 ] يقول : فالقلوب التي للمريدين في مقام هذا الحيوان المعبر عنه بالنحل إذا تكلم هذا العارف تلقت منه المعارف كتلقي النحل الوحي من عند اللّه ، يقول : وهو وحي سرور وجمال وأنس لأنه عذب الجنى فأثمر الحلاوة . وإذا مالت أرتنا فننا * أو رنت سالت من اللّحظ ظبا « 2 » يقول : وإذا مالت فميلها ميل الغصن المثمر لتدنوا قطوفها إفادة إلهية ، فهذا هو العطف الإلهي لكن الغصن لا يميله سوى الرياح وهي الهمم منا فمتى ما تعلقت همة العارف بأمر إلهي من جانب الحق أمالت ما تعلقت به إليه فناله مقصوده . كم تناغي بالنّقا من حاجر * يا سليل العربيّ العربا ما أنا إلّا عربي ، ولذا * أعشق البيض وأهوى العربا يقول : كم تناغي بالكثيب الأبيض المعلوم عند القوم الممنوع مقامه أن تكون لأحد فيه قدم الإحسان وهو المشاهدة والبهت فهلا أشغلت نفسك بالاستعداد لما يعطيه مقام ذلك الكثيب عن أن يخطر لك في الإحسان خاطرا أصلا فأجاب وقال : الإحسان الذي أطلب هي من نتائج الأمر الأصلي الذي عنه صدرنا وأنا عربي فأهوى من الحسان العربا للمناسبة اللفظية والأصلية فلا ينكر على من جرى على ما يعطيه أصله وحقيقته وحاله ، ثم قال : لا أبالي شرّق الوجد بنا * حيث ما كانت به ، أو غرّبا يقول : لا أتقيد بالمقامات والمراتب وإنما أتقيد بها فحيث ما ظهرت لي كنت بحيث هي لأنها مطلوبي ثم أنها تلقى إلي بحسب ما تراه لا بحسب ما أريد فإنّ العلم لها والأمر ليس لي ، فلا أبالي حيث يسير بي وجدي الضمير فيّ قالوا : يعود على من جرى على الوسائط والحجاب .

--> ( 1 ) جثل النبت أو الشعر : كثر وطال والتف فهو جثل وجثيل . وأثّ النبات أو الشعر : كثر والتف . الغيهب : الظلمة الشديدة . ( 2 ) الظّبا : ( ج ) الظّبة : حدّ السيف والسنان والخنجر وما أشبهها .